المدينة كمنصّة

 

كيف تتحوّل البيانات المفتوحة إلى بنية تحتية للابتكار؟

المقدمة:

ماذا لو توقّفت الجماعة عن محاولة حلّ كل مشكلة بنفسها، وبدأت بدل ذلك تمكين الآخرين من حلّها؟ هذا السؤال البسيط يقف خلف واحدة من أعمق التحولات في إدارة المدن الحديثة: الانتقال من «المدينة كمزوّد خدمات» إلى «المدينة كمنصّة».

في برشلونة، شارك نحو 40 ألف مواطن في صياغة خطة المدينة الاستراتيجية عبر منصّة «ديسيديم» (Decidim) الرقمية، فقدّموا أكثر من 10,800 مقترح، اعتُمد منها أكثر من 8,100 ضمن خطة عمل المدينة. لم تكتفِ المدينة بسؤال مواطنيها، بل فتحت لهم بنيتها الرقمية ليصبحوا شركاء في صناعة القرار. هذا هو منطق المنصّة في أوضح صوره.

الفكرة المركزية أنيقة وثورية في آن واحد: حين تفتح المدينة بياناتها — عن النقل والنفايات والطاقة والبيئة — عبر واجهات برمجية، فإنها تتحوّل من جهة تحتكر الحلول إلى أرضية يبني عليها آلاف الفاعلين حلولهم. تطبيق يخبرك بموعد الحافلة الحقيقي، وآخر يرشدك لأقرب حاوية، وثالث يكشف جودة الهواء في حيّك — كلها تُبنى من بيانات مفتوحة لا تكلّف الجماعة تقريباً شيئاً إضافياً.

البيانات المفتوحة، بهذا المعنى، ليست شعار شفافية فحسب؛ إنها بنية تحتية للابتكار، تماماً كالطرق والكهرباء. فكما تُمكّن الطريق آلاف الأنشطة الاقتصادية دون أن تعرف الدولة مسبقاً ما سيُنقَل عليها، تُمكّن البيانات المفتوحة ابتكارات لم تخطر ببال أحد.

في هذا المقال نفكّك مفهوم «المدينة كمنصّة»، ونستعرض تجاربه الرائدة، ونحلّل شروط نجاحه ومخاطره، قبل أن نسأل: ما الذي يمنع جماعةً مغربية متوسطة من فتح بياناتها غداً، وما العائد المتوقع على اقتصادها المحلي؟

المفهوم: من احتكار الحلول إلى تمكين المنظومة

في النموذج التقليدي، تتصرّف الجماعة كـ«مزوّد»: تحدّد المشكلة، وتصمّم الحل، وتنفّذه، وتشغّله. هذا النموذج محدود ببنية الجماعة وميزانيتها وخيالها. أما في نموذج «المنصّة»، فتتصرّف الجماعة كـ«مُمكِّن»: توفّر البنية الأساسية (البيانات، الواجهات، المعايير)، وتترك للمنظومة — شركات ناشئة، باحثين، مواطنين — أن تبتكر الحلول.

الفرق جوهري. منصّة واحدة قد تُولّد مئات التطبيقات التي ما كانت الجماعة لتفكّر فيها أو تموّلها. وهذا تحديداً ما حوّل أنظمة تشغيل الهواتف إلى منصّات: لم تبنِ الشركة كل التطبيقات، بل فتحت الأرضية للجميع.

ثلاث طبقات تصنع المنصّة

الطبقة الأولى هي البيانات المفتوحة: نشر بيانات المدينة في صيغ قابلة لإعادة الاستخدام. الثانية واجهات البرمجة (APIs): قنوات تتيح للتطبيقات الوصول الآمن واللحظي إلى هذه البيانات. والثالثة الحوكمة والمعايير: قواعد واضحة لما يُفتح، وكيف تُحمى الخصوصية، ومن يتحمّل المسؤولية. غياب أيٍّ من هذه الطبقات يُفرغ النموذج من مضمونه.

أمثلة عالمية: برشلونة وإستونيا نموذجين

تقدّم برشلونة أنضج تجربة حضرية في هذا المجال. فمنصّة الاستشعار مفتوحة المصدر «سنتيلو» (Sentilo) تجمع بيانات آلاف المستشعرات عبر المدينة (المرور، الضجيج، جودة الهواء، الماء) وتتيحها لإدارة الخدمات وتحسينها. ومنصّة «ديسيديم» (Decidim) مفتوحة المصدر حوّلت المشاركة المواطنة إلى عملية رقمية واسعة. كما طوّرت المدينة مشروع DECODE لتمكين المواطن من التحكّم في بياناته الشخصية وتقرير ما يشاركه. الأهم أن برشلونة بنت هذه الأدوات بـبرمجيات مفتوحة المصدر، فصارت قابلة لإعادة الاستخدام من أي مدينة أخرى مجاناً.

أما إستونيا، فتقدّم منطق المنصّة على مستوى الدولة عبر «X-Road»: بنية تبادل بيانات تتيح للأجهزة والخدمات أن تتواصل بأمان، فتتحوّل الخدمات من جزر منفصلة إلى منظومة واحدة. هذه «الطبقة التحتية المشتركة» هي ما يجعل الابتكار فوقها ممكناً وسريعاً.

الدرس المشترك: المدن التي تعتمد المصادر المفتوحة والمعايير الموحّدة لا تبني حلولاً فحسب، بل تبني قدرة جماعية قابلة للنمو والمشاركة.

الواقع العربي والمغربي: بين الإتاحة والتمكين

في العالم العربي، أُطلقت بوابات بيانات مفتوحة في عدة دول، لكن التحدي المتكرر هو الفجوة بين «إتاحة البيانات» و«تمكين استخدامها». كثير من البوابات تنشر ملفات قديمة أو غير قابلة للقراءة الآلية، فتبقى الشفافية شكلية بلا أثر ابتكاري حقيقي.

في المغرب، توجد بوابة وطنية للبيانات المفتوحة (data.gov.ma)، وتتنامى ثقافة إتاحة البيانات ضمن مسار الحوكمة المفتوحة واستراتيجية المغرب الرقمي 2030. كما أن منصّات مثل «رخص» و«إدارتي» تُنتج كمّاً هائلاً من البيانات الإدارية القابلة — مبدئياً — للتثمين. والانتقال نحو المحفظة الرقمية الوطنية والهوية الموحّدة يوفّر بنية تحتية يمكن أن تتحول إلى «منصّة» بالمعنى الكامل.

لكن السؤال يبقى: هل تُفتح هذه البيانات بصيغ حيّة قابلة لإعادة الاستخدام عبر واجهات برمجية، أم تبقى حبيسة تقارير ثابتة؟ الفرق بينهما هو الفرق بين منصّة تُولّد اقتصاداً، وأرشيف رقمي جامد.

تحليل نقدي: المنصّة ليست حلاً سحرياً

نموذج «المدينة كمنصّة» جذاب، لكنه ليس بلا مخاطر أو شروط.

أولاً، الخصوصية: فتح البيانات دون حماية صارمة قد يكشف أنماط حياة الأفراد. لذلك يجب أن تُفتح البيانات مُجمَّعة ومجرَّدة من الهوية، مع حوكمة واضحة. تجربة DECODE البرشلونية تحديداً وُلدت لمعالجة هذا التوتر بين الانفتاح والخصوصية.

ثانياً، الفجوة في القدرة: المنصّة بلا منظومة محلية قادرة على البناء عليها تبقى عرضاً فارغاً. فتح البيانات في بيئة تفتقر إلى مطورين وشركات ناشئة لن يُنتج تلقائياً ابتكاراً.

ثالثاً، خطر الاحتكار: قد تستحوذ شركات كبرى على البيانات المفتوحة لتبني خدمات تجارية مغلقة، فتعود المنفعة العامة إلى جيوب خاصة. الحوكمة الذكية توازن بين الانفتاح وحماية المصلحة العامة.

الفرص والمخاطر والدروس

الفرص: اقتصاد ابتكار محلي بكلفة عمومية منخفضة؛ شفافية تبني الثقة؛ خدمات أفضل دون أن تبنيها الجماعة بنفسها؛ وتمكين البحث الأكاديمي والصحافة الاستقصائية.

المخاطر: انتهاك الخصوصية؛ الشفافية الشكلية؛ استحواذ الفاعلين الكبار؛ وإهمال صيانة البيانات فتصبح قديمة عديمة الجدوى.

الدروس: افتح البيانات حيّةً لا جامدة (قابلة للقراءة الآلية وعبر واجهات)؛ احمِ الخصوصية بالتصميم؛ ابنِ منظومة محلية قادرة على الاستفادة؛ واعتمد المصادر المفتوحة لتشارك القدرة لا الكلفة فقط.

رأي خبير:

أكثر سوء فهم أصادفه هو الخلط بين «نشر البيانات» و«فتح المنصّة». جماعة تنشر ملف PDF بإحصاءات العام الماضي تظنّ أنها «مدينة مفتوحة»، بينما لم تُمكّن أحداً من بناء أيّ شيء. الاختبار الحقيقي بسيط: هل يستطيع مطوّر شاب أن يبني تطبيقاً مفيداً من بياناتك خلال عطلة أسبوع؟ إن كان الجواب لا، فأنت تملك أرشيفاً لا منصّة. نصيحتي العملية: ابدؤوا بمجموعة بيانات واحدة عالية القيمة (مواقيت النقل مثلاً)، أتيحوها عبر واجهة برمجية حيّة، ونظّموا تحدّياً (هاكاثون) للمطورين المحليين. النتائج غالباً تفاجئ الجميع، وبكلفة زهيدة.

ماذا يعني هذا للمغرب؟

الوضع الحالي: يملك المغرب بوابة وطنية للبيانات المفتوحة، وكمّاً متنامياً من البيانات الإدارية عبر «إدارتي» و«رخص»، وتوجّهاً مؤسسياً نحو الانفتاح. الأساس موجود، والتحدي في الحيوية والعمق.

الفرص المتاحة: تحويل بيانات النقل والتعمير والبيئة إلى واجهات برمجية حيّة؛ تنظيم تحديات ابتكار (هاكاثونات) للناشئة المحلية؛ واعتماد البرمجيات مفتوحة المصدر لمشاركة القدرة بين الجماعات بدل تكرار الكلفة.

التحديات: ضعف ثقافة القراءة الآلية للبيانات؛ هشاشة الخصوصية وغياب وعي راسخ بها؛ محدودية المنظومة المحلية القادرة على البناء؛ والخوف الإداري من كشف البيانات.

توصيات عملية: اعتماد سياسة «مفتوح افتراضياً» للبيانات غير الحساسة؛ إلزام إتاحة البيانات بصيغ قابلة للقراءة الآلية؛ بناء واجهات برمجية للبيانات الأكثر طلباً؛ وربط الجماعات بالجامعات وحاضنات الناشئة لتحويل البيانات إلى حلول.

الخاتمة:

«المدينة كمنصّة» ليست ترفاً تقنياً، بل إعادة تعريف لدور الجماعة: من جهة تحاول أن تعرف كل شيء وتفعل كل شيء، إلى جهة تتواضع فتفتح بنيتها وتثق بقدرة مواطنيها على الابتكار. هذا التواضع المؤسسي هو، مفارقةً، أعلى أشكال الذكاء الحضري.

التحدي الأكبر ليس تقنياً، بل ثقافياً: هل تثق الإدارة بمواطنيها بما يكفي لتفتح لهم بياناتها؟ المدن التي أجابت بنعم — كبرشلونة — لم تخسر السيطرة، بل ضاعفت قيمتها، وحوّلت بياناتها من أصل نائم إلى بنية تحتية تُولّد اقتصاداً وثقة معاً.

والسؤال الاستراتيجي الذي يستحق أن يُطرح في كل جماعة مغربية: لو فتحنا بياناتنا غداً، ما أول حلٍّ قد يبنيه أحد مواطنينا، وكم من القيمة نحرمها منهم اليوم بإبقائها مغلقة؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تكون بداية اقتصاد حضري جديد، لا يكلّف الجماعة أكثر من قرار الثقة.

توصيات عملية لصنّاع القرار:

1. اعتمدوا سياسة «مفتوح افتراضياً» لكل بيانات المدينة غير الحساسة، مع حماية الخصوصية بالتصميم.

2. أتيحوا البيانات حيّةً لا جامدة: صيغ قابلة للقراءة الآلية وواجهات برمجية (API)، لا ملفات PDF ثابتة.

3. ابدؤوا بمجموعة بيانات عالية القيمة (مواقيت النقل مثلاً) ونظّموا حول استخدامها تحدّياً للمطورين المحليين.

4. اعتمدوا البرمجيات مفتوحة المصدر (على غرار Sentilo و Decidim) لمشاركة القدرة بين الجماعات بدل تكرار الكلفة.

5. اربطوا البيانات بالمنظومة المحلية: شراكات مع الجامعات وحاضنات الناشئة لتحويل البيانات إلى حلول وخدمات ووظائف.