هل نصمّم مدننا لسلامة نصف سكانها؟ المقدمة في تسعينيات القرن الماضي، نظّمت مدينة فيينا معرضاً للصور البسيطة عن «يوم في حياة امرأة» في المدينة: كيف تتنقّل، أين تشعر بالأمان، ماذا تحتاج. كشف المعرض حقيقة صادمة في بساطتها: المدينة كانت مصمَّمة، دون قصد، لرجل افتراضي يتنقّل من البيت إلى العمل وبالعكس — بينما حياة المرأة أكثر تعقيداً (رعاية، تسوّق، مرافقة أطفال، تنقّلات متعددة قصيرة). من تلك الصور، انطلقت فيينا في رحلة جعلتها نموذجاً عالمياً: أكثر من 60 مبادرة لتخطيط حضري يراعي النوع الاجتماعي، من إنارة الشوارع لتحسين سلامة المشاة، إلى توسيع الأرصفة لعربات الأطفال، إلى مرايا في الأزقّة المظلمة لكشف الزوايا الخطرة. الدرس الذي تختصره فيينا عميق: نصمّم المدن غالباً وكأن لها جنساً واحداً. أنماط تنقّل النساء، وأوقاتها، ونقاط شعورهنّ بعدم الأمان، نادراً ما تُدمج في التخطيط. والنتيجة فضاء عام لا يخدم نصف السكان بالعدل ذاته. وكما وثّق كتاب «النساء غير المرئيات» (Invisible Women)، فإن غياب البيانات المصنّفة حسب الجنس يجعل المرأة «غير مرئية» في قرارات تُصمّم عالماً على مقاس الرجل. هنا يبرز دور المدينة الذكية بوصفها فرصة لا تهديداً. فالبيانات والاستشعار يمكن أن يكشفا «النقاط غير الآمنة»، وأنماط تنقّل النساء، فتُصمَّم إنارة ونقل وتطبيقات إبلاغ تراعي تجربتهنّ. البيانات المصنّفة حسب الجنس ليست تفصيلاً إحصائياً، بل عدسة لرؤية ما اعتدنا تجاهله. في هذا المقال نحلّل فجوة البيانات الجندرية في تصميم المدن، ودور المدينة الذكية في سدّها، وكيف نبني مدينة مغربية آمنة وعادلة لنصف سكانها، وهو ما يجعلها أفضل للجميع. المفهوم: فجوة البيانات الجندرية «فجوة البيانات الجندرية» تعني أن معظم البيانات التي تُبنى عليها قرارات المدن جُمعت دون تصنيف حسب الجنس، أو من منظور افتراضي «محايد» هو في الحقيقة ذكوري. فحين نقيس «متوسط» تنقّل السكان، نخفي الفروق الجوهرية بين أنماط الرجال والنساء. أنماط تنقّل المرأة تختلف بنيوياً: رحلات أكثر تعدّداً وأقصر (ما يُسمّى «سلسلة الرحلات»)، في أوقات مختلفة، لأغراض الرعاية والتسوّق غالباً لا العمل فقط، ومع حساسية أعلى للسلامة. مدينة مصمَّمة على نمط «البيت–العمل» الخطّي تخدم الرجل النموذجي وتُهمل واقع المرأة. الأمان كبُعد تصميمي السلامة ليست شعوراً عابراً، بل بُعد تصميمي قابل للقياس والمعالجة. النقاط المظلمة، الأنفاق المعزولة، محطات النقل غير المراقبة، كلها «نقاط خطر» يمكن رصدها بالبيانات ومعالجتها بالإنارة والتصميم والتكنولوجيا. تجاهلها يعني إقصاء النساء من أجزاء من مدينتهنّ في أوقات معيّنة. أمثلة عالمية: فيينا والبيانات التي ترى النساء تظل فيينا النموذج الأبرز. فمنذ التسعينيات، اعتمدت بيانات «استخدام الوقت» لفهم كيف تقضي النساء يومهنّ وتستخدمن المرافق، ثم ترجمت ذلك إلى عشرات المشاريع الملموسة: إنارة لتحسين سلامة المشاة، أرصفة أوسع، مقاعد إضافية، إسكان مصمَّم بمشاركة النساء، ومرايا في الأزقّة لكشف الزوايا المخفية. الأهم أن البيانات الجندرية صارت مركزية في توجيه ميزانية المدينة ومراجعتها. وتدعو منظمات متخصصة (مثل Data2X) المدن إلى جمع بيانات جندرية لكشف معدلات العنف في الفضاء العام، وفهم أنماط تنقّل النساء وتفضيلاتهنّ، وتوجيه الإنفاق والتدقيق بناءً عليها. كما تتيح أدوات المدينة الذكية، تطبيقات الإبلاغ، خرائط السلامة، تحليل البيانات المكانية، رصد النقاط الخطرة ومعالجتها بدقة. الدرس الجوهري: المدينة الآمنة للمرأة ليست «إضافة» للمرأة، بل مدينة أفضل للجميع. فالإنارة الجيدة، والأرصفة الواسعة، والمحطات المراقبة تخدم الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة أيضاً. تصميم يراعي الأضعف يرفع جودة الحياة للكلّ. الواقع العربي والمغربي: تحدٍّ ثقافي وفرصة تقنية في العالم العربي والمغربي، تواجه النساء تحديات حقيقية في الفضاء العام: التحرّش، الشعور بعدم الأمان في النقل العمومي والأماكن المعزولة، وأنماط تنقّل لا تراعيها الشبكات المصمَّمة على نمط ذكوري. وغالباً ما تغيب البيانات المصنّفة حسب الجنس التي تكشف هذه التحديات وتوجّه معالجتها. في المغرب، حيث تتنامى مشاركة المرأة في الحياة العامة والاقتصادية، يصبح تصميم مدن آمنة وميسّرة لتنقّلها شرطاً للتنمية لا ترفاً. فالمرأة التي تتجنّب النقل العمومي أو الخروج في أوقات معيّنة بسبب انعدام الأمان تُحرَم من فرص عمل وتعليم ومشاركة. الفرصة أن تستثمر المدن المغربية أدوات المدينة الذكية لسدّ هذه الفجوة: جمع بيانات جندرية حول التنقّل والسلامة، تطبيقات إبلاغ عن التحرّش والنقاط الخطرة، إنارة موجَّهة للنقاط غير الآمنة، وتصميم نقل يراعي «سلسلة رحلات» المرأة. وكلّها تبدأ بقرار بسيط: أن نرى النساء في بياناتنا، فنصمّم المدينة لنصف سكانها أيضاً. تحليل نقدي: لماذا تبقى المرأة «غير مرئية»؟ السبب الأول غياب البيانات المصنّفة: ما لا يُقاس لا يُرى، وما لا يُرى لا يُعالَج. حين نجمع بيانات «محايدة» غير مصنّفة حسب الجنس، نخفي تجربة المرأة خلف المتوسط، فتغيب عن القرار. السبب الثاني منظور المخطّط: غالبية مصمّمي المدن تاريخياً رجال، يفترضون — دون وعي — أن تجربتهم هي القاعدة. فيُبنى للرجل النموذجي، وتُهمل احتياجات تختلف عنه. التحيّز هنا في الافتراضات لا في النوايا. السبب الثالث اعتبار السلامة مسألة فردية لا تصميمية: نميل لتحميل المرأة مسؤولية سلامتها («لا تخرجي ليلاً») بدل تصميم مدينة آمنة. لكن الأمان حقّ تصميمي عام، لا عبء فردي على الضحية المحتملة. والمفارقة أن الحلول غالباً بسيطة وزهيدة (إنارة، مرايا، أرصفة، مراقبة)، لكنها تظلّ مؤجَّلة لأن من يقرّر لا يرى المشكلة — لأنه لا يعيشها ولا تكشفها بياناته. الفرص والمخاطر والدروس الفرص: مدينة آمنة وعادلة لنصف سكانها (وأفضل للجميع)؛ مشاركة اقتصادية واجتماعية أوسع للمرأة؛ حلول زهيدة عالية الأثر؛ وبيانات جندرية تحسّن كل السياسات. المخاطر: بقاء المرأة «غير مرئية» في البيانات؛ منظور المخطّط الذكوري؛ تحميل المرأة مسؤولية سلامتها؛ وإقصاؤها من فرص بسبب انعدام الأمان. الدروس: اجمع بيانات مصنّفة حسب الجنس؛ أشرك النساء في التصميم؛ عامل السلامة كحقّ تصميمي؛ وتذكّر أن المدينة الآمنة للمرأة أفضل للجميع. رأي خبير أبسط سؤال يكشف فجوة جندرية في أي مشروع حضري: «هل بياناتكم مصنّفة حسب الجنس؟». في أغلب الحالات الجواب لا — وهنا تبدأ المشكلة، لأن ما لا نقيسه لا نراه. نصيحتي العملية مستلهمة من فيينا: ابدؤوا بخطوة بسيطة وزهيدة — اسألوا النساء مباشرةً أين يشعرن بعدم الأمان في المدينة، وارسموا «خريطة سلامة» تشاركية. ستكشف هذه الخريطة نقاطاً لم يلحظها المخطّطون أبداً. ثم عالجوها بأدوات بسيطة: إنارة، مرايا، تشذيب أشجار تحجب الرؤية، ومراقبة محطات النقل. والأهم: أشركوا النساء في فرق التصميم لا في الاستشارة فقط. المدينة التي تُصمَّم بمشاركة نصف سكانها تكون أذكى وأعدل وأكثر أماناً للجميع — أطفالاً وكباراً وذوي إعاقة. تجاهل تجربة المرأة ليس حياداً، بل انحياز صامت. ماذا يعني هذا للمغرب؟ الوضع الحالي: تواجه النساء تحديات في الفضاء العام والنقل العمومي، وغالباً ما تغيب البيانات المصنّفة حسب الجنس التي تكشفها، رغم تنامي مشاركة المرأة في الحياة العامة. الفرص المتاحة: جمع بيانات جندرية حول التنقّل والسلامة؛ تطبيقات إبلاغ وخرائط سلامة تشاركية؛ إنارة وتصميم موجّهان للنقاط غير الآمنة؛ ونقل يراعي أنماط تنقّل المرأة. التحديات: غياب البيانات المصنّفة؛ منظور التخطيط الذكوري؛ اعتبار السلامة مسألة فردية؛ وحساسية ثقافية تتطلب مقاربة مدروسة. توصيات عملية: جمع بيانات مصنّفة حسب الجنس في كل مشروع؛ إنشاء خرائط سلامة تشاركية مع النساء؛ معالجة النقاط الخطرة بحلول بسيطة (إنارة، مرايا، مراقبة)؛ وإشراك النساء في فرق التصميم لا الاستشارة فقط. الخاتمة المدينة التي تُصمَّم لنصف سكانها فقط ليست ذكية، مهما بلغت تقنياتها. وفجوة البيانات الجندرية تجعل المرأة «غير مرئية» في قرارات تشكّل حياتها اليومية، من التنقّل إلى السلامة. لكن المدينة الذكية تحمل فرصة تاريخية لقلب هذا: أن ترى النساء في بياناتها، فتصمّم لهنّ — ومن خلالهنّ للجميع. تجربة فيينا تثبت أن الحلول غالباً بسيطة وزهيدة، وأن المدينة الآمنة للمرأة أفضل للأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة وكل ساكن. ما ينقص ليس التكنولوجيا ولا المال، بل القرار: أن نقيس ما كنا نتجاهله، ونصغي لمن كنا نغفل عنه، ونصمّم بمشاركتهنّ لا عنهنّ. والسؤال الاستراتيجي الذي يجب أن يُطرح في كل مخطط حضري مغربي: هل صمّمنا هذه المدينة لتجربة نصف سكانها، أم تجاهلناهم خلف متوسط يُخفيهم؟ الإجابة الصادقة عن هذا السؤال — وترجمتها إلى بيانات جندرية وخرائط سلامة وتصميم تشاركي — هي التي تحدّد إن كانت مدينتنا الذكية عادلة فعلاً، أم مدينةً لنصف ساكنيها ترتدي ثوب الحداثة. توصيات عملية لصنّاع القرار 1. اجمعوا بيانات مصنّفة حسب الجنس في كل مشروع حضري، فما لا يُقاس لا يُرى ولا يُعالَج. 2. أنشئوا خرائط سلامة تشاركية مع النساء لكشف النقاط غير الآمنة التي يغفلها المخطّطون. 3. عالجوا النقاط الخطرة بحلول بسيطة: إنارة، مرايا، تشذيب ما يحجب الرؤية، ومراقبة محطات النقل. 4. صمّموا النقل لـ«سلسلة رحلات» المرأة (رحلات متعددة قصيرة)، لا لنمط «البيت–العمل» وحده. 5. أشركوا النساء في فرق التصميم لا في الاستشارة الشكلية فقط، فالمدينة الأعدل تُبنى بمشاركة نصف سكانها.