كيف يقرّر السكان مصير مدنهم؟
المقدمة
في باريس، منذ إطلاق الميزانية التشاركية عام 2014، قدّم المواطنون أكثر من 21,000 فكرة، مُوِّل منها 1,345 مشروعاً بكلفة تناهز 768 مليون يورو، خُصِّص جزء منها (263 مليون يورو) للأحياء محدودة الدخل. وفي نسخة 2025 وحدها، صوّت عدد قياسي بلغ 162,395 مقيماً على المشاريع. أي مقيم فوق السابعة، بصرف النظر عن جنسيته، يستطيع أن يقترح مشروعاً تموّله المدينة. هذه ليست استشارة شكلية، بل سلطة حقيقية يمارسها المواطن على ميزانية مدينته.
هذا النموذج يكشف الفرق الجوهري الذي نتجاهله كثيراً: المشاركة المواطنة ليست استبياناً. في كثير من مشاريعنا، «نشرك» المواطن بأن نجمع آراءه في استمارة، ثم ننفّذ ما قرّرناه سلفاً. هذه «مشاركة ديكورية» تجمع الآراء وتتجاهلها، فتُنتج إحباطاً أعمق من غياب المشاركة أصلاً.
المشاركة الحقيقية تذهب أبعد بكثير: ميزانية تشاركية يصوّت فيها السكان على أولويات الإنفاق، منصّات رقمية يقترحون عبرها ويناقشون ويقرّرون، وقرارات تُبنى مع الناس لا عنهم. والفرق بين الإصغاء الفعلي والاستماع الشكلي هو الفرق بين الشرعية والإحباط — والمواطن يميّز بينهما بسرعة، فيمنح ثقته أو يسحبها.
والمدينة الذكية تقدّم أدوات تحوّل هذه المشاركة من حلم إلى ممارسة يومية، عبر منصّات مفتوحة المصدر مثل «Decidim» و«CONSUL» التي تدير ديمقراطية تشاركية واسعة. في هذا المقال نفكّك الفرق بين المشاركة الحقيقية والديكورية، ونحلّل نماذجها الناجحة، ونرسم كيف تبني جماعة مغربية قراراً تشاركياً يصنع الشرعية بدل أن يستهلكها.
المفهوم: سلّم المشاركة من الديكور إلى السلطة
ليست المشاركة حالة واحدة، بل سلّم من الدرجات. في الأسفل الإعلام (نخبرك بما قرّرنا). ثم الاستشارة (نسألك رأيك ثم نقرّر نحن). ثم التشاور (نناقش معك). وفي الأعلى التمكين (تقرّر أنت فعلاً، ونلتزم بقرارك). معظم مشاريعنا تتوقف عند الدرجة الثانية — الاستشارة — وتسمّيها «مشاركة».
«المشاركة الديكورية» هي البقاء في درجات دنيا مع ادّعاء الوصول للأعلى: نجمع الآراء (استشارة) ونوحي بأن المواطن «شارك في القرار» (تمكين)، بينما القرار اتُّخذ سلفاً. هذه الفجوة بين الادّعاء والواقع هي ما يُنتج الإحباط وفقدان الثقة.
معيار الجدّية
المعيار الأصدق لجدّية المشاركة سؤال واحد: هل غيّرت مشاركة المواطن قراراً فعلاً؟ إن لم تكن هناك حالة واحدة تغيّر فيها مسار بسبب رأي السكان، فالمشاركة ديكور. التمكين الحقيقي يترك أثراً ملموساً وقابلاً للتتبّع.
أمثلة عالمية: حين يقرّر المواطن فعلاً
تقدّم باريس أنضج نموذج للميزانية التشاركية: مليارات على مدى سنوات، آلاف المشاريع التي اقترحها ونفّذها المواطنون، وتخصيص متعمّد لحصّة للأحياء الفقيرة. الأهمّ أن القرار مُلزِم: ما يصوّت عليه السكان يُنفَّذ فعلاً.
ومدريد عبر منصّة «Decide Madrid» (المبنية على برمجية «CONSUL» المفتوحة المصدر) أتاحت للسكان اقتراح القوانين والنقاش والتصويت وتخصيص عشرات الملايين سنوياً للميزانية التشاركية، وعُمّمت على كل أحياء المدينة الـ21. وبرشلونة عبر منصّة «Decidim» المفتوحة المصدر أدارت عمليات تشاركية واسعة بعشرات الآلاف من المشاركات وجلسات الحوار.
والأهمّ نتيجة بحثية لافتة: وجدت دراسة لعام 2025 أن الجماعات التي تبنّت الميزانية التشاركية شهدت ارتفاع الثقة العامة بشكل ملحوظ (من نحو 55% عام 2020 إلى 70% عام 2024)، واستنتجت أن النموذج «يعزّز الرشد المالي، ويقلّل مخاطر الفساد، ويقوّي المشاركة في الحوكمة». المشاركة الحقيقية، إذن، ليست رفاهية ديمقراطية، بل أداة حوكمة فعّالة تبني الثقة وتكافح الفساد.
الواقع العربي والمغربي: من التشاور إلى التمكين
في العالم العربي، تتنامى تجارب المشاركة المواطنة، لكن كثيراً منها يبقى في درجة «الاستشارة»: استمارات وجلسات إنصات لا تُترجم دائماً إلى قرارات مُلزِمة. والفجوة بين الإعلان عن المشاركة وأثرها الفعلي تُنتج عزوفاً وشكّاً.
في المغرب، أرسى الدستور والقوانين التنظيمية للجماعات آليات للمشاركة (مثل العرائض وآليات التشاور)، وهذا أساس مؤسسي مهمّ. كما تتيح البنية الرقمية المتنامية إمكانية بناء منصّات تشاركية فعّالة. والتحدي هو الانتقال من «التشاور» المنصوص عليه إلى «التمكين» الفعلي الذي يترك أثراً ملموساً في القرار.
الفرصة المغربية أن تتبنّى الجماعات أدوات مجرَّبة ومفتوحة المصدر (مثل Decidim وCONSUL) — لا تكلّف كثيراً لأنها مجانية وقابلة لإعادة الاستخدام — لإطلاق ميزانيات تشاركية حقيقية. فحين يقرّر سكان حيّ كيف يُنفَق جزء من ميزانيته على أولوياتهم (إنارة، مساحة خضراء، تجهيز)، تتحوّل علاقتهم بالجماعة من تلقٍّ سلبي إلى شراكة فاعلة، وترتفع الثقة كما أثبتت التجارب.
تحليل نقدي: لماذا نكتفي بالديكور؟
السبب الأول الخوف من فقدان السيطرة: التمكين الحقيقي يعني التخلّي عن جزء من القرار للمواطن، وهذا يقلق بعض الإدارات التي تفضّل «استشارة» تحفظ سلطتها على «تمكين» يشاركها فيها.
السبب الثاني الكلفة الزمنية: المشاركة الحقيقية أبطأ — تتطلب نقاشاً وتصويتاً والتزاماً. فتُغرى الإدارة بـ«اختصار» المشاركة إلى استمارة سريعة تُنجز الإجراء دون جوهره.
السبب الثالث غياب الإلزام: حين لا يُلزَم القرار برأي المواطن، تبقى المشاركة بلا أسنان. الفرق بين باريس وغيرها ليس في جمع الآراء، بل في الالتزام بتنفيذ ما يقرّره السكان.
والخطر الأعمق أن «المشاركة الديكورية» تضرّ أكثر من غيابها: فهي تستدعي أمل المواطن ثم تخذله، فتعمّق الشكّ والعزوف. مشاركة تُجمع ثم تُتجاهَل تعلّم المواطن أن صوته بلا قيمة — وهذا أسوأ من ألا يُسأل أصلاً.
الفرص والمخاطر والدروس
الفرص: شرعية أعمق للقرار العام؛ ثقة مرتفعة (كما أثبتت الدراسات)؛ مكافحة الفساد ورشد مالي؛ ومشاريع تستجيب فعلاً لأولويات السكان؛ وأدوات مفتوحة المصدر زهيدة الكلفة.
المخاطر: المشاركة الديكورية التي تُحبط؛ الخوف من فقدان السيطرة؛ غياب الإلزام؛ واستدعاء أمل المواطن ثم خذلانه.
الدروس: اصعد من التشاور إلى التمكين؛ اجعل جزءاً من القرار مُلزِماً برأي السكان؛ تبنَّ أدوات مجرَّبة مفتوحة المصدر؛ وقِس الجدّية بـ«ما تغيّر فعلاً».
رأي خبير:
السؤال الذي أطرحه على أي جهة تتباهى بـ«إشراك المواطنين»: «أعطني مثالاً واحداً تغيّر فيه قراركم فعلاً بسبب رأي السكان». التردّد في الإجابة يكشف أن المشاركة كانت ديكوراً. نصيحتي العملية: ابدؤوا صغيراً لكن حقيقياً — خصّصوا نسبة متواضعة من ميزانية حيّ (5% مثلاً) ليقرّر سكانه كيف تُنفَق، والتزِموا بتنفيذ ما يختارونه. هذا «الالتزام الملموس» يبني الثقة أسرع من ألف استمارة. وتقنياً، لا تبدؤوا من الصفر: منصّات مثل Decidim وCONSUL مفتوحة المصدر ومجرَّبة في عشرات المدن ومجانية. الأهمّ أن تتذكّروا: المشاركة التي لا تغيّر قراراً تعلّم المواطن أن صوته بلا قيمة — وهذا أخطر من عدم سؤاله. المشاركة الحقيقية استثمار في الشرعية والثقة، لا عبء إجرائي.
ماذا يعني هذا للمغرب؟
الوضع الحالي: أرسى الإطار القانوني للجماعات آليات للمشاركة (عرائض، تشاور)، مع بنية رقمية متنامية تتيح منصّات تشاركية، لكن كثيراً من الممارسة يبقى في درجة «الاستشارة».
الفرص المتاحة: الانتقال من التشاور إلى التمكين الفعلي؛ إطلاق ميزانيات تشاركية على مستوى الأحياء؛ تبنّي أدوات مفتوحة المصدر مجرَّبة (Decidim، CONSUL)؛ ورفع الثقة في الجماعة.
التحديات: الخوف من فقدان السيطرة؛ غياب الإلزام بنتائج المشاركة؛ خطر المشاركة الديكورية؛ والحاجة لثقافة إصغاء فعلي.
توصيات عملية: تخصيص نسبة من ميزانية الأحياء لقرار تشاركي مُلزِم؛ تبنّي منصّات مفتوحة المصدر؛ نشر أثر المشاركة بشفافية («ماذا تغيّر»)؛ والبدء بتجارب صغيرة حقيقية قابلة للتوسيع.
الخاتمة
المشاركة المواطنة ليست استمارة تُملأ وتُنسى، بل سلطة يمارسها المواطن على مدينته. والفرق بين «الاستشارة» و«التمكين» هو الفرق بين علاقة سلطوية تُجمَّل بالإصغاء الشكلي، وعلاقة شراكة تبني الشرعية والثقة. وتجارب باريس ومدريد وبرشلونة تثبت أن التمكين الحقيقي ممكن، وأنه يرفع الثقة ويكافح الفساد ويحسّن جودة القرار.
في سياقنا، حيث الأساس القانوني موجود والأدوات الرقمية متاحة، يبقى التحدي في الإرادة: التخلّي عن جزء من السيطرة، والالتزام بنتائج المشاركة، ومقاومة إغراء الديكور. فالمشاركة التي لا تغيّر قراراً تخون وعدها وتعمّق العزوف، والمشاركة التي تترك أثراً ملموساً تصنع مواطناً شريكاً لا متفرّجاً.
والسؤال الاستراتيجي الذي يجب أن يُطرح في كل جماعة مغربية: هل نُشرك المواطن لنصنع القرار معه، أم لنجمّل قراراً اتخذناه عنه؟ الإجابة الصادقة عن هذا السؤال — وترجمتها إلى ميزانية تشاركية مُلزِمة وأثر منشور بشفافية — هي التي تحدّد إن كانت مشاركتنا تبني الشرعية، أم تستهلكها وتزرع الإحباط.
توصيات عملية لصنّاع القرار:
1. اصعدوا من «الاستشارة» إلى «التمكين»: اجعلوا جزءاً من القرار مُلزِماً برأي السكان لا استشارياً فقط.
2. أطلقوا ميزانية تشاركية على مستوى الأحياء: خصّصوا نسبة (5% مثلاً) ليقرّر سكان الحيّ إنفاقها.
3. تبنّوا أدوات مفتوحة المصدر مجرَّبة (Decidim، CONSUL) بدل البناء من الصفر، فهي مجانية وفعّالة.
4. انشروا أثر المشاركة بشفافية: وثّقوا «ما الذي تغيّر فعلاً» بسبب رأي المواطنين.
5. ابدؤوا صغيراً لكن حقيقياً: تجربة محدودة مُلزِمة أفضل من برنامج واسع ديكوري.